السلمي
43
المقدمة في التصوف
باب شرائط التصوف شرائط التصوف ، ما كان عليه المشايخ المتقدمون من الزهد في الدنيا ، والاشتغال بالذكر والعبادة ، والغنى عن الناس ، والقناعة والرضى بالقليل من المطعوم والمشروب والملبوس ، ورعاية الفقراء ، وترك الشهوات ، والمجاهدة والورع وقلة النوم والكلام ، وجمع الهمة ، والمراقبة ، والوحشة من الخلق ، والغربة ، ولقاء المشايخ ، والأكل عند الحاجة ، والكلام عند الضرورة ، والنوم على الغلبة ، والجلوس في المساجد ، ولبس المرقعة والرث . . فما كان على ذلك فالكتاب العزيز ناطق به ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شاهد بقبوله . فينبغي للعاقل في زماننا هذا ، أن يعرف شيئا من أصول الصوفية ، وطريقة أهل الصدق منهم ، حتى يميز بين المتشبهين بهم ، والمتلبسين لباسهم ، والمتسمين بسماتهم ، ولا يكن كأحدهم . . فإن الصوفية أمان اللّه في أرضه وأخدان أسراره وعلمه ، وصفوته من خلقه ، وهم ممدوحون بلسان النبوة ، لما روت عائشة رضي اللّه عنها : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من سره أن ينظر ، فلينظر إلى أشعث أغبر شاحب مشمر ، لم يضع لبنة على لبنة ، ولا قصبة على قصبة ، علم فشمر ليوم المضمار وغدا السبّاق ، والغاية الجنة أو النار » « 1 » . فهكذا الصوفية ، وهكذا أفعالهم ، فمن أنكر هذا المذهب ، فلقلة معرفته ، وقلة الاهتداء لحقائقه ، لأن الجياد قليل ، وقل من يعرفهم ، إلا من يكون من جنسهم . . وقال عز وجل : وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ( 11 ) [ الأحقاف : 11 ] . الذي يدعي هذا المذهب ، ويعطل الجوارح من العبودية والخدمة والطاعة ، ويعطل القلب من الذكر والإرادة وجمع الهمة ومعرفة الواردات وإخلاص النية ، ولا يؤدي حقه ولا يعرف حقائقه ، وهو يدعي ما ليس له ، ليقربه ذلك من الناس ، ويعلمه حرفة يأكل بها ويأخذ الوقت الطيب ، فإذا بدت له الحقائق من الفقر والفاقة والذل
--> ( 1 ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ، باب من اسمه بكر ، حديث رقم ( 3241 ) [ ج 3 ص 306 ] . ولفظه : « عن عائشة قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من سأل عني أو سره أن ينظر إليّ فلينظر إلى أشعث شاحب مشمر لم يضغ لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة رفع له علم فشمر إليه اليوم المضمار وغدا السباق والغاية الجنة والنار » .